الشيخ محمد هادي معرفة
427
التمهيد في علوم القرآن ( ط مؤسسة التمهيد )
وأُخرويّة . أمّا العقليّة فنعني بها غريزة العقل ، ولا توجد بالتقليد والسماع ، وهي تنقسم إلى ضروريّة لا يُدرى من أين حصلت وكيف حصلت . . وإلى علوم مكتسبة ، وهي المستفادة بالتعلّم والاستدلال ، وكلا القسمين قد يسمّى عقلًا ، قال عليّ عليه السلام رأيت العقل عقلين فمطبوع ومسموع ، ولا ينفع مسموع إذا لم يك مطبوع ، كما لا تنفع الشمس وضوء العين ممنوع . والأوّل هو المراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام : « ما خلق اللّه خلقا أكرم عليه من العقل » . والثاني « 1 » هو المراد بقوله صلى الله عليه وآله وسلم لعليّ عليه السلام : « إذا تقرّب الناس إلى اللّه تعالى بأنواع البرّ ، فتقرّب أنت بعقلك » . إذ لا يمكن التقرّب بالغريزة الفطريّة ولا بالعلوم الضروريّة ، بل بالمكتسبة . ولكن مثل عليّ عليه السلام هو الذي يقدر على التقرّب باستعمال العقل ، في اقتناص العلوم التي بها يُنال القرب من ربّ العالمين « 2 » . ثمّ أخذ في بيان الفرق بين الإلهام والتعلّم ، والفرق بين طريق الصوفيّة في استكشاف الحقائق ، وطريق أهل النظر والاستدلال . . قال : إنّ العلوم التي ليست ضروريّة وإنّما تحصل في القلب في بعض الأحوال ، تختلف الحال في حصولها ؛ فتارة تهجم على القلب كأنّه أُلقي فيه من حيث لا يدرى ، وتارة تكتسب بطريق الاستدلال والتعلّم . فالذي يحصل لا بطريق الاكتساب وحيلة الدليل ، يُسمّى إلهاما . والذي يحصل بالاستدلال يسمّى اعتبارا واستبصارا . ثمّ الذي يقع في القلب بغير حيلة وتعلّم واجتهاد من العبد ، ينقسم إلى ما لا يدري العبد أنّه كيف حصل له ومن أين حصل ، وإلى ما يطّلع معه على السبب الذي استفاد ذلك العلم ، وهو : مشاهدة الملك المُلقي في القلب . . والأوّل يسمّى إلهاما ونفثا في الروع . والثاني يسمّى وحيا ويختصّ به الأنبياء . والأوّل يختصّ به الأولياء والأصفياء . والذي
--> ( 1 ) - . أي العقل المستفاد . ( 2 ) - . المصدر نفسه ، ص 15 - 16 .